ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

477

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

( على يد الرحمن ، فيخلص ) : أي يخلص الرحمة الممتزجة ( من الشوب الذي لا يلائم الطبع والمزاج ) ، كشرب الماء البارد في العطش الكاذب ؛ فإنّه ضرر في المآل ، ومطبوع ( في الوقت ) والحال ، ( أو لا ينيل الغرض ) : أي مخلص من الشرب الذي يمنع إنالة الغرض المشتهي بإعطاء التوفيق ، وهو جعل الأسباب موافقة في التسبب ، ( وما أشبه ذلك من الأمثال ) التي هي موجبات ما يعطي الهناء العاجل ، وترفع موانع الوصول إلى حصول الغرض العاجل والآجل . وعلى الجملة أنّ الرحمن تارة يخلص العطايا من شرب المكروه ، إما عاجلا كما في ملائم الطبع والغرض ، وإن كانت فيها عائلة في الآخرة ، فإنّه يملي لهم برحمته إياهم في هذه الدار ، واستدراجه بهم للطف الخفي كما قال تعالى : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [ القلم : 44 ] ؛ لأنّ الإنسان خلق هلوعا جزوعا ، حريصا شحيحا ، ظلوما جهولا كنودا ، فالحكمة اقتضت المسايسة بالرهبات والرغبات . وإما آجلا ، كالصبر على البلايا للمجازاة الأخروية ، فإنّ الصبر من عطايا الرحمن ، وإما فيها كما مرّ في الرحمة الخالصة في الدنيا والآخرة ، فافهم . ( وتارة يعطي اللّه على يدي الواسع فيعم ) ، كما قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [ البقرة : 247 ] : أي واسع بعموم الرحمة ، فلا يخلص من الشوب ، فيكون حكمها الامتزاج في العاجل والآجل . فلما جاء الغضب في الوجود وجد الرحمة قد سبقته ، ولا بدّ من وجوده ، فكان مع الرحمة كالماء مع اللبن إذا شابه وخالطه ، فلم يخلص الماء من اللبن ، كذلك لم يخلص الغضب من الرحمة . أما ترى أبا يزيد قدّس سره لما سمع القارئ يقرأ : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [ البروج : 12 ] ، فقال : « بطشي أشد » ؛ لأنّ بطشه غير مخلوط بالرحمة ، فالضار يكون نافعا في ضرره ، والمانع معط في منعه . ويشير إلى ذلك المقام سيّدنا سيّد العارفين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه في بعض